فن

الست، والتحديات الـ6!

6 تحديات للفيلم الذي أثار جدلًا واسعًا؛ إذ كيف تحكي ما يعرفه الجميع دون ملل؟ فقصة أم كلثوم معروفة، وهناك أعمال تناولت سيرتها. فماذا بقي عن «الست» لم نعرفه؟

future غلاف فيلم «الست»

أثار فيلم «الست» مساحة واسعة من الجدل المتواصل منذ وقت صدور الإعلان عنه، بل يمكننا أن نقول منذ الإعلان عن وجود الممثلة (منى زكي) في دور كوكب الشرق، المغنية والفنانة الأكثر شهرة في الشرق (أم كلثوم).

كان من المفترض أن ينتهي هذا الجدل بعد طرح الفيلم في دور السينما عقب عرضه الأول في مهرجان مراكش، أو كان ذلك هو المتوقع من قبل الكثيرين، مطالبين كل من يتحدث أو يطلق أحكامًا استباقية بالانتظار حتى صدور العمل ومشاهدته أولًا قبل الحديث عنه جزافًا.

والآن، وبعد طرح الفيلم في دور السينما، لم يزل الجدل دائرًا بنبرة أكثر حدة، وبات الجمهور منقسمًا حول الفيلم؛ فبينما يرى فريق أن الفيلم مجرد عمل ضعيف لا يستحق الاحتفاء، يرى فريق آخر أنه رائعة سينمائية لا مثيل لها.

والغريب أن الأسباب التي يعتمدها العاشقون والكارهون هي نفسها، وهي غالبًا ما تدور حول أداء الممثلة منى زكي، والزاوية التي أراد الكاتب والمخرج تناول شخصية أم كلثوم من خلالها، والموسيقى التصويرية الطاغية في العمل، والجانب الذي يكشف عنه الفيلم من شخصية أم كلثوم.

وعلى جانب آخر من الآراء، يحاول كل من يكتب عن الفيلم أن يقدّم بمقدمة طويلة يسعى من خلالها إلى ترسيخ ما مفاده أنه سيحاول قدر الإمكان أن يكون موضوعيًا. وهذا ما يدّعيه هذا المقال أيضًا بطبيعة الحال، ولكن في الحقيقة فإن المقالات النقدية غالبًا ما تأخذ شكلًا من اثنين: إمّا أن تكون مرافعة عن الفيلم وصنّاعه، أو أن تكون هجاءً مطلقًا للفيلم وصناعته.

وما يحدث هو حالة طبيعية تتناسب مع حجم الرمز الذي يتناول العمل سيرته، ومع حجم صنّاعه والقائمين عليه. فبجانب حديثنا عن أم كلثوم، تقف خلف الكواليس أسماء تُعد بمثابة سقف القدرة في الصناعة المصرية.

فالفيلم من إخراج مروان حامد، وكتابة المؤلف أحمد مراد، وهو ثنائي قدّم من قبل العديد من الأعمال الناجحة والمتميزة على مستوى السوق والفن. فلدينا، على سبيل المثال، أفلام حققت سقف الإيرادات مثل «الفيل الأزرق» بجزأيه، و«كيرة والجن»، ولدينا أفلام فنية مميزة لن تُنسى مثل «إبراهيم الأبيض»، و«الأصليين»، و«تراب الماس».

وفوق كل ذلك، يتناول فيلمهما هذه المرة سيرة واحدة من أهم الشخصيات في ذاكرة الوطن العربي كله، وهي أم كلثوم.

١

التحدي الأول: نقطة البداية

قد تكون من أصعب التحديات التي من الممكن أن تقابل صناع فيلم من هذه النوعية هي الافتتاحية، فعادة ما تكتسب افتتاحية الأفلام أهمية كبرى لتعلقها الشديد بموضوع وعالم الفيلم.

أما هذه المرة فتمثل الافتتاحية تحديًا خاصًا حيث أننا أمام حياة مليئة بالأحداث والتحولات والتحديات تضع صناع العمل في حيرة شديدة عند البحث والاختيار.

وفي الحقيقة أن المخرج مروان حامد كان موفقًا جدًا في اختياره لافتتاحية العمل عندما بدأ فيلمه من لحظة شديدة الخصوصية مشحونة بالحماس والقلق والتوتر، والمشاعر المختلطة.

قرر صناع العمل أن تكون البداية من مسرح الأولمبياد في فرنسا عندما ذهبت أم كلثوم تغني أمام العالم في لحظة حرجة بعد الحرب المريرة والهزيمة المخزية.

أختارت أم كلثوم أن لا تيأس أمام مشاعر الخسارة، وقررت بشجاعة تتناسب مع شخصيتها القوية أن تشارك في الحرب، ولكن من جبهة خاصة جدًا، وبسلاح مختلف (خارق الأثر خافت في الظاهر).

وهي بداية موفقة، وان كانت بالطبع تقليدية بالنسبة لهذه النوعية من الأفلام التي تتناول سيرة الأشخاص فقد رأينها بالفعل في الكثير من الأعمال الأجنبية، وحتى العربية في فيلم (حليم) على سبيل المثال. وأضف إلى ذلك أنها مُختارة بالفعل من قبل في واحد من أشهر الكتب التي كتبت عن أم كلثوم في الفترة الأخيرة، وحديثنا عن كتاب الباحث الموهوب كريم جمال (أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي). وأيضًا من بعده في حلقة برنامج الدحيح، وهو واحد من أشهر البرامج العربية. ولكن على العموم تظل نقطة البداية اختيار جيد من صناع العمل.

٢

التحدي الثاني: أم كلثوم.. سيرة جديدة؟

بعد أن شاهدنا افتتاحية الفيلم التي نقلت لنا مشاعر القلق والتوتر والحماس للحظة التي بدأ منها، وشاهدنا الجماهير تصفق وتهتف وتصرخ حماسًا لرؤية الست، الآن نحن في انتظار طلتها تماما كالجمهور في المسرح.

وبداخلنا سؤال مُلح: عن أي أم كلثوم سنتكلم؟ تمثل حياة أم كلثوم سيرة مليئة بالتحولات والتحديات، مليئة بالأمل والألم، بالعزة والانكسار.

فهناك أم كلثوم التي نعرفها جميعا التي تظهر على الشاشة بضع ساعات تغني، ولدينا مقالات لا تنتهي كتبت عن الست، وحوارات صحفية مع الست، وكتب وأفلام، وأعمال درامية.

ولكن، مع كل ذلك تبقى الست لغزاً محيراً؛ تلك المرأة التي لم تكن تحب الظهور أمام الكاميرا، وتكتفي بالغناء من خشبة المسرح؛ ماذا تخبيء وراءها؟ تحدى كبير قبله الكاتب أحمد مراد كونه يكتب سيرة درامية عن نجم بحجم الست أم كلثوم كوكب الشرق.

ولكن يظل هذا التحدي هو الذي ذهب إليه مختاراً، ولم يجبر عليه؛ فما الجديد الذي عنده ليقدمه لنا عن الست؟

في الحقيقة، وبالرغم من كم الأراء التي ترى ان هناك جوانب جديدة تعرض لها الفيلم، إلا أن الواقع هو أن مراد قد أهدر فرصة لا تهدر بفعلته تلك.

قدم مراد مجموعة مشاهد من حياة الست دون أن يكون هناك خط واضح يسير الفيلم على خطاه، وتلتف حوله تلك المشاهد مجمعة في النهاية صورة متكاملة.

ولذلك تشعر أثناء المشاهدة، خصوصاً بعد الانتهاء من متابعة الفيلم كاملاً، أننا لم نفهم بعد ما الذي أراد مراد قوله؟ وما الهدف من هذا النص؟

يعاني النص من غياب السؤال الدرامي المركزي، فلا يتضح إن كان الفيلم يسائل السلطة، النجومية، الثمن الإنساني للشهرة، أم علاقة الفن بالوطن.

ورغم أن أي فيلم سيري هو بالضرورة سيرة مُنتقاة، لكن المشكلة هنا أن الانتقاء تم دون منطق درامي واضح. ففي النهاية السينما لغة (وسيط)، ومن المصطلح يكشف لنا أن هذه اللغة لابد للمتكلم بها من مراد، وهذا الوسيط لابد له من مرسل. وهذا ما لم يكن صناع العمل موفقين فيه، ولم يتضح لنا كمشاهدين.

طمع مراد في تقديم جوانب مختلفة من حياة الست جعله يقدم شريط سينمائى متخبط ومفكك لا يمكن التوحد أو الاندماج معه. وكان أمام مراد ومروان جوانب كثيرة يمكن الاختيار بينها؛ فيمكنهم تسليط الضوء على علاقة الست بالشاعر أحمد رامي مثلا، أو رحلتها في الصعود والوصول إلى هذه المكانة، أو علاقتها بالرجال الآخرين في حياتها. ونحن هنا لا نفرض ما نريده، ولكن ما نريد قوله ان التركيز على خط درامي واحد واضح كان ليغير من تجربة المشاهدة.

٣

التحدي الثالث: التجسيد

في مثل هذه النوعية من الأعمال يكون الممثل أمام تحديات مختلفه كونه لا يجسد شخصية خيالية يمكن التلاعب بها كيف يشاء، بل هو الآن أمام تحدي أصعب حيث يواجه ذاكرة جماعية، وصورة راسخة لدى الجمهور، فلن يسلم الممثل مب عبء المقارنات (الصوت، الشكل، الحركة،..).

وبالنسبة لمنى ذكي في الست فهي لم توفق في تسجيد الدور؛ فتارة تستخدم لهجة صعيدية، وتارة تتفلت منها اللهجة، كما أن الشكل الظاهري والميك آب المستخدم لم يكن أبداً في صالحها، وصنع منها صورة كاريكاتورية من نفسها لا من الشخصية، مضحكة ومنفره!

ومن التحديات التي تواجه الممثل في تجسيد شخصية عامة معروفة للجميع القدرة على التفريق بين التقليد والتجسيد، وهنا كان التحدي الحقيقي الذي لم تفلح فيه منى ذكي كون الأداء كان مجرد تقليد ومحاكاة خارجية، رغم أن المفترض على الممثل في مثل هذا الموضع أن يقدم لنا كمشاهدين اعادة خلق للست حتى يمكن التقرب منها.

وضعت منى ذكي نفسها في تحدي كبير بأداء هذا الدور، ولكن نقرر القول أن الجميع هنا وضع نفسه في تحدي كبير مختاراً وليس مجبراً.

ولم تسلم منى ذكي بالطبع من آراء غاضبة وغير مبررة من الجمهور، وهجوم غير مفهوم في كثير من الأحيان من شريحة ترى قداسة أم كلثوم وحرمة تجسيدها!

وهذا ما يجب أن نتخلص منه، وفي الواقع الأمر الآن بات أخف في عصر السوشيل ميديا، واقتراب الجمهور من المشاهير فلم يعد أحداً يحتل مثل هذه المكانة.

٤

التحدي الرابع: ليس هذا ما نعرفه!

تحدي جديد يقابل صناع هذا العمل؛ كيف تحكي ما يعرفه الجميع دون ملل؟ فقصة أم كلثوم معروفة كما ذكرنا كتب وتكلم عنها الكثير، بل وهناك أعمال تناولت سيرتها بالفعل. فماذا بقي عن الست لم نعرفه؟

أضاف صناع العمل إلى انفسهم تحدي آخر عندما قدموا للجمهور نسخة تمتد لما يقارب ثلاث ساعات!

إذا سألت صانع أفلام عن كيفية الهروب من هذا المأزق - تحدي الملل - فأول ما قد يتبادر إلى الذهن من حلول هو الهروب من السرد الخطي (التقليدي)، والسرد الزمني التقليدي في حالتنا هو: مرحلة الطفولة أولا، ثم المحاولات الأولى والبدايات، ثم الوصول، ثم مرحلة التحقق، ثم النهاية والأيام الأخيرة.

وهذا بالضبط ما أدركه مروان، فلجأ في سرد الفيلم إلى الحكي الغير خطي فبدأ بلحظة متأخرة جداً زمنيا من حياة الست، وبدأ يتنقل من بعدها كثيراً بين فصول حياتها المختلفة دون التزام بالزمن الفعلي.

وبالإضافة إلى ذلك استخدم مروان قطعات مونتاجية سريعة لكسر شعور الملل، وهو ما كان مزعجاً ومشتت في الكثير من الأحيان. وهذا قرار صائب ومتوقع كما وضحنا، وعلى المستوى الشخصي لم أشعر بالملل طوال ساعات العرض، وكنت منتبها حتى النهاية. لكن المشكلة كانت في القصص المختارة من حياة أم كلثوم والكتابة. فالسرد غير الخطي هنا لا يُوظف لبناء معنى جديد، بل يتحول إلى سرد متشظٍ يفتقر للترابط الدلالي.

على كل حال يمكن اعتبار هذه النقطة - أي السرد غير الخطي - والمونتاج السريع من نقاط القوة التي تحتسب للعمل. وأي يكن فالعمل الفني لا يتوقف على ان يروي ما حدث بل لماذا وكيف عاشت الشخصية الحدث. وهذا ما كان يجب التركيز عليه من الصناع وخاصة من الممثلين في الأدوار الرئيسية.

٥

التحدي الخامس: الموسيقى!

نحن أمام عمل يتناول حياة مغني، فعنصر الصوت والموسيقى عنصر محوري، وهام جداً بالنسبة للشريط السينمائي. تحدي جديد لصناع العمل يكمن في اختيار شريط صوت مناسب، يضيف إلى العمل.

قدم هشام نزيه موسيقى رائعة، ولكنها في الوقت نفسه غير صالحة لهذا العمل! فحقيقة، رغم جمال الموسيقى التصويرية، إلا إنها لم تكن متناغمة مع العمل، فلم تساعد الموسيقى على استحضار روح عالم الست.

فكان من المفترض أن تساعد الموسيقى المختارة المشاهد على الاقتراب من عالم أم كلثوم. فكان من الممكن ان يتم اعادة بناء الموسيقى الخاصة بأغاني الست وتصبح جزء من العمل. ولكن ما قدمه الصناع هي موسيقى جيدة غير مناسبة!

٦

التحدي السادس والأخير: جيل جديد غير مكترث!

تحدي أن تقدم فيلماً يتناول سيرة درامية لفنانة/رمز توفى من عشرات السنين، ولم تعد الأجيال الجديدة مكترثة به، تحدي جديد يقابل صناع العمل.

وكان مراد ذكيا بالدرجة الكافية لجذب الجمهور الجديد (جيل زد وما بعده) عندما أبرز جزء من الجوانب السلبية من شخصية أم كلثوم، فهو يعي تماماً ان هذا الجيل لا يعترف بالقداسة لأحد، ولا يتعاطف مع الرموز الجامدة.

فكان من الذكاء تقديم صورة إنسانية لها أخطاؤها ومحامدها لكي يتفاعل ويتعاطف معها الجمهور. فهذه الأجيال الجديدة لم تعش زمن الست، ولا تحمل لها ارتباط عاطفي، فيما سيقدم لها سيستقبله ويتفاعل معه بحيادية.

وقد يكون دليلاً على ذلك كون الآراء السلبية التي كانت تصرخ في وجه الصناع خوفا على صورة أم كلثوم التي يرون أنها شوّهت، غالبه إن لم يكن كله من الشريحة الأكبر سناً.

وأيضاً واجه هذا التحدي مروان حامد بذكاء شديد عندما اختار أسماء لا حصر لها من النجوم الكبار (أحمد حلمي، كريم عبدالعزيز، أمينة خليل، محمد فراج، أحمد أمين، صدقي صخر، نيللي كريم،…) فكانت هذه حيلة ذكية من الصناع لجذب الجمهور الأصغر سناً واصطياد أقدامهم إلى قاعة السينما. وهذا يفسر الاعتراضات التي جاءت من البعض الذي كان لا يرى حاجه في وجود أسماء كبيرة مثل تلك الأسماء في أدوار صغيرة.

أخيراً 

يظل صناعة عمل عن رمز من رموز مصر الوطن العربي تجربة شجاعة تستحق الإشادة… ويظل صدور فيلم عن أم كلثوم حدثاً مهماً يستحق الانتباه له، ويظل الست فرصة مهدرة يمكن ضمها إلى الفرص السابقة المهدرة ايضاً من جانب مروان حامد وأحمد مراد؛ الثنائي الذي لا يريد ان ينفك عن بعضه، ولا يريد ان يجرب جديدا!

ومن المؤسف ان يكون نتاج سقف القدرة في صناعة السنيما في مصر بهذا التواضع!

# سينما مصرية # فن

اختيارات النقاد: أفضل 10 أفلام في عام 2025
أهم 10 أفلام عربية في عام 2025
هيبتا 2: محاولة ليست أخيرة لفهم الحب!

فن